فخر الدين الرازي
90
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
فضلا عن حجة . وأما المقدمة الثانية : - وهي قولهم الجسم إنما يكون قادرا بالقدرة - فقد بنوا هذا على أن الأجسام مما تستلزم مماثلة ، فلو كان شيء منها قادرا لذاته لكان الكل قادرا لذاته ، وبناء هذه المقدمة على تماثل الأجسام ، وأما المقدمة الثالثة : - وهي قولهم هذه القدرة التي لنا لا تصلح لخلق الأجسام فوجب أن لا تصلح القدرة الحادثة لخلق الأجسام - وهذا أيضا ضعيف ، لأنه يقال لهم لم لا يجوز حصول قدرة مخالفة لهذه القدرة الحاصلة لنا وتكون تلك القدرة صالحة لخلق الأجسام فإنه لا يلزم من عدم وجود الشيء في الحال امتناع وجوده ، فهذا إتمام الكلام في هذه المسألة . هل يعلم الجن الغيب : المسألة الثالثة عشرة : اختلفوا في أن الجن هل يعلمون الغيب ؟ وقد بين اللّه تعالى في كتابه أنهم بقوا في قيد سليمان عليه السلام وفي حبسه بعد موته مدة وهم ما كانوا يعلمون موته ، وذلك يدل على أنهم لا يعلمون الغيب ، ومن الناس من يقول أنهم يعلمون الغيب ، ثم اختلفوا فقال بعضهم أن فيهم من يصعد إلى السماوات أو يقرب منها ويخبر ببعض الغيوب على ألسنة الملائكة ، ومنهم من قال : لهم طرق أخرى في معرفة الغيوب لا يعلمها إلا اللّه ، واعلم أن فتح الباب في أمثال هذه المباحث لا يفيد إلا الظنون والحسبانات والعالم بحقائقها هو اللّه تعالى . أسباب الاستعاذة وأنواعها : الركن الخامس : من أركان مباحث الاستعاذة . المطالب التي لأجلها يستعاذ . اعلم أنا قد بينا أن حاجات العبد غير متناهية ، فلا خير من الخيرات إلا وهو محتاج إلى تحصيله ، ولا شر من الشرور إلا وهو محتاج إلى دفعه وإبطاله ، فقوله : ( أعوذ باللّه ) يتناول دفع جميع الشرور الروحانية والجسمانية ، وكلها أمور غير متناهية ، ونحن ننبه على معاقدها فنقول : الشرور إما أن تكون من باب الاعتقادات الحاصلة في القلوب ، وإما أن تكون من باب الأعمال الموجودة في الأبدان ، أما القسم الأول فيدخل فيه جميع العقائد الباطلة . واعلم أن أقسام المعلومات غير متناهية كل واحد منها يمكن أن يعتقد اعتقادا صوابا صحيحا ويمكن أن يعتقد اعتقادا فاسدا خطأ ، ويدخل في هذه الجملة مذاهب فرق الضلال في العالم ، وهي اثنتان وسبعون فرقة من هذه الأمة ، وسبعمائة وأكثر خارج عن هذه الأمة ، فقوله : ( أعوذ باللّه ) يتناول الاستعاذة من كل واحد منها . وأما ما يتعلق بالأعمال البدنية فهي على قسمين : منها ما يفيد المضار الدينية ، ومنها ما يفيد المضار الدنيوية ، فأما المضار الدينية فكل ما نهى اللّه عنه في جميع أقسام التكاليف ، وضبطها كالمعتذر ، وقوله : ( أعوذ باللّه ) يتناول كلها ، وأما ما يتعلق بالمضار الدنيوية فهو جميع الآلام والأسقام والحرق والغرق والفقر والزمانة والعمى ، وأنواعها تقرب أن تكون غير متناهية ، فقوله : ( أعوذ باللّه ) يتناول الاستعاذة من كل واحد منها . والحاصل أن قوله : ( أعوذ باللّه ) يتناول ثلاثة أقسام ، وكل واحد منهما يجري مجرى ما لا نهاية له أولها : الجهل ، ولما كانت أقسام المعلومات غير متناهية كانت أنواع الجهالات غير متناهية ، فالعبد يستعذ باللّه منها ، ويدخل في هذه الجملة مذاهب أهل الكفر ، وأهل البدعة على كثرتها ، وثانيها : الفسق ، ولما كانت أنواع